مقالات الرأي

بقلم :أحمد الجارالله| دول..كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ

بغض النظر عما آلت إليه أحداث العقد الماضي، من عنف وإطاحة أنظمة، وإعداماتوتنكيل وحروب أهلية، فإن هذا الزلزال العنيف الذي خلخل العالم العربي لم يحصل منفراغ، بل تهيأت له كل الأسباب لاهتزاز الأرض تحت أقدام أنظمة توهّمت أن الأمر استقرلها، وأن القوى المتربصة بها لا قدرة لها على تحريك الشارع.

هذه الغفلة عن سماع صوت الناس، أسقطت نظام زين العابدين بن علي في غضون 23 يوماً من التحرك، وكذلك النظام المصري القديم بعد 18 يوماً من التظاهرات، فيما في ليبياواليمن كانت القصة أكثر دموية مما اعتقد صناع القرار فيهماوكأن قادة تلك الدولتمثلوا بقول طرفة بن العبدكالعيس في البيداء يقتلها الظما والماء فوق ظهورهامحمولُ“.

في هذا الشأن، تحضرني قصة تروى عن رجل ثري كان يفوق أهل بلده جميعاً ثروة، ومعذلك فهو شديد البخل، لدرجة أنه لا يأكل اللحم إلا كل يوم جمعة فيذهب إلى الجزارويشتري منه رأس خروف، ولذلك لقبه أهل بلدته بـأبو الروس، وكان أهل بيته معتذمرهم من شحه هذا صابرين، وينتظرون الفرج بموته.

ذات يوم سافر إلى بلدة مجاورة لقضاء عمل تجاري، فصادفه عند مدخلها رجل وقور،جميل الهندام، حيَّاهُ وَلَزِمَهُ، كما هي عادة العرب في ذلك الوقت حين لقاء الغرباء الوافدينعلى بلدتهم؛ فوجد ذلك الشحيحُ عند هذا الرجل بعدما مكث ثلاثة أيام ما لم يكن يتوقعه،فخامةَ بيته، وطيبَ مائدته، وكثرةَ أصناف طعامه.

بعد ثلاثة أيام من الضيافة سألأبو الروسمضيفه: إني في ضيافتك منذ ثلاثة أيام ولمأرك تؤدي أي عمل؛ فمن أين أتيت بثروتك، لتنفق بسخاء؟

قال صاحب البيت: “لقد دأبت على أن أتزوج مِن كل أرملة فقدت زوجها الثري، فأتمتعمعها بالمال الذي ورثته منه، وفي هذه الأيام يُحكى أن تاجراً في البلدة المجاورة يلقبونهبأبي الروس، فاحش الثراء شديد البخل، انتظر أن يأتي الله بمنيته قريباً حتى يفرج عنأهله بموته، وإذا ما حييت فإني سأتزوج أرملته“.

وما كاد صاحب البيت ينهي كلامه حتى استأذن أبوالروس مُضيفه ليعود إلى أهله، وقبلأن يصل إلى بيته ذهب إلى السوق، واشترى الكثير من الزاد واللحم، والكساء، والفرش،وحملها معه أربعة من الحمّالين، فلما دخل على أهل بيته فزعوا، وقالوا: ما الذي دهاك؟

فقال لهم: “نبي نبيد المال قبل أن يبيدنا وقبل ما يجيه قضعان يأكله“.

ربما لو كان أدرك قادة تلك الدول التي هزها زلزالالربيع العربيفحوى هذه القصةلتغيرت أمور كثيرة في بلدانهم، ووفروا على شعوبهم كل هذا الخراب، وفعلوا ما فعلتهقيادات رشيدة في دول أخرى، إذ كانت تتابع مشكلات شعوبها عن كثب وهيأت لها مايمنع دخولها جحيم القلاقل فكانت سبّاقة إلى تفويت الفرصة على القوى التخريبية،وهو ما فعلته في حينه المملكة العربية السعودية.

فمع بدء موجةالربيع العربياتجهت أنظار المتربصين بدول الخليج عموماً،والسعودية خصوصاً، إلى شعب المملكة وبدأت أبواق التآمر في المنطقة وأوروبا تحرضللخروج على الحكم، وقد دعت حينها إلى تظاهرات في يوم جمعة من شهر مارس عام2011، غير أن أحداً لم يخرج الى التظاهر، وحينها كان الملك عبدالله بن عبدالعزيز قد عادمن رحلة علاج في الولايات المتحدة، وعلى الفور أصدر نحو 30 أمراً ملكياً كانت قد أعدتقبل سفره، وبلغ ما قدمته الحكومة إلى الشعب عبرها نحو تريليوني ريال، تضمنتإصلاحاً شاملاً في مختلف القطاعات، أكانت تعليمية، أو صحية، أو إسكانية وغيرها،إضافة إلى مساعدات مالية لمحدودي الدخل، وإسقاط القروض وإخراج الغارمين منالسجون.

يومها وجه الملك كلمته التاريخية الى شعبه إذ قال فيها: “كم أنا فخور بكم، فالذاكرةالوطنية تحفظ بأنكم بعد الله صمام الأمان لوحدة هذا الوطن وأنكم صفعتم الباطلبالحق، والخيانة بالولاء وصلابة إرادتكم المؤمنة“.

بعد رحيل الملك عبدالله كانت نقطة التحول الكبيرة الثانية التي أحدثها الملك سلمان بنعبدالعزيز، بإطلاقه برنامجالسعودية 2030″ الذي نشهد حالياً إنجاز بعض منه فيتطور يشمل الصعد كافة، إضافة إلى إصداره أوامر ملكية قضت بصرف نحو 100 مليارريال على تحسين الخدمات، ولم تكن لدى الحكومة السعودية حجة لعدم إنفاقها علىشعبها، لا في ما يسمى الأجيال القادمة، ولا المال السيادي.

هذا الفرق بين قادة استسلموا للبخل والتقتير على شعوبهم، وتسببوا بإطلاق يدالفساد، وبين الذين سمعوا همس الشعب قبل أن يصبح صراخاً يزعزع استقرار الدولة،لأن ثمة عبراً يتعلمها القادة من دروس التاريخ، كما هي الحال مع الدولة الأموية التيأسقطها بخل الخليفة المعروف بمروان الحمار، وكذلك الدولة العباسية التي أسقطتهاثورة خراسان بعدما تمادى الملك في حبس المال عن الشعب وزاد الضرائب، وأغلق أبوابهفي وجه أهل الحل والعقد.

نقلاً عن : صحيفةالسياسةالكويتية

أخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى