مقالات الرأي

بقلم: عبدالهادي الخلاقي | جائحة كورونا والشائعات المضللة

في‭ ‬مطلع‭ ‬فبراير‭ ‬من‭ ‬عام‭ ‬2009م‭ ‬تفشى‭ ‬وباء‭ ‬أنفلونزا‭ ‬الخنازير‭ ‬‮«‬H1N1‮»‬‭ ‬في‭ ‬74‭ ‬دولة‭ ‬حول‭ ‬العالم‭ ‬وبعد‭ ‬عام‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الجائحة‭ ‬أعلنت‭ ‬منظمة‭ ‬الصحة‭ ‬العالمية‭ ‬انتهاء‭ ‬الجائحة‭ ‬وبلغ‭ ‬عدد‭ ‬الوفيات‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬حصرها‭ ‬بحسب‭ ‬إحصاءات‭ ‬منظمة‭ ‬الصحة‭ ‬حتى‭ ‬نهاية‭ ‬شهر‭ ‬يناير‭ ‬2010‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬15174‭ ‬حالة‭ ‬وفاة،‭ ‬في‭ ‬ديسمبر‭ ‬2009م‭ ‬أي‭ ‬بعد‭ ‬تسعة‭ ‬أشهر‭ ‬من‭ ‬انتشار‭ ‬الوباء‭ ‬صرحت‭ ‬وزيرة‭ ‬الصحة‭ ‬الفنلندية‭ ‬بأن‭ ‬هناك‭ ‬مؤامرة‭ ‬تقودها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬للقضاء‭ ‬على‭ ‬سكان‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬اللقاح،‭ ‬إذ‭ ‬قالت‭ ‬إن‭ ‬أمريكا‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬تقليص‭ ‬سكان‭ ‬العالم‭ ‬بنسبة‭ ‬الثلثين‭ ‬بل‭ ‬إنهم‭ ‬أجبروا منظمة‭ ‬الصحة‭ ‬العالمية‭ ‬على‭ ‬تصنيف‭ ‬أنفلونزا‭ ‬الخنازير‭ ‬بدرجة‭ ‬وباء‭ ‬مهلك‭ ‬كي‭ ‬يجعلوا‭ ‬التلقيح‭ ‬إجباريًا‭ ‬وليس‭ ‬اختياريًا‭ ‬وخاصة‭ ‬للشرائح‭ ‬المستهدفة‭ ‬أولاً‭ ‬من‭ ‬الجيل‭ ‬القادم‭ ‬وهم‭ ‬الحوامل‭ ‬والأطفال،‭ ‬وأردفت‭: ‬حكومتنا‭ ‬الفنلندية‭ ‬رفضت‭ ‬ذلك‭ ‬التصنيف‭ ‬وجعلت‭ ‬درجة‭ ‬المرض‭ ‬عادية‭ ‬كي‭ ‬لا‭ ‬يُجبر‭ ‬أحد‭ ‬على‭ ‬التلقيح‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬نعرف‭ ‬مطلقًا‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬تأثيراته‭ ‬بعد‭ ‬سنة‭ ‬أو‭ ‬خمس‭ ‬سنين‭ ‬أو‭ ‬عشرين‭ ‬سنة‭ ‬من‭ ‬الآن،‭ ‬هل‭ ‬يسبب‭ ‬العقم‭ ‬المطلق‭ ‬أم‭ ‬السرطان،‭ ‬أم‭ ‬غيرهما‭ ‬من‭ ‬الأمراض‭ ‬والأورام‭ ‬المهلكة؟
لقد‭ ‬انتهت‭ ‬جائحة‭ ‬أنفلونزا‭ ‬الخنازير‭ ‬منذ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬12‭ ‬عاما‭ ‬ولم‭ ‬يتقلص‭ ‬عدد‭ ‬سكان‭ ‬العالم‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬متخوفا‭ ‬منه‭ ‬بل‭ ‬زاد‭ ‬تعداد‭ ‬سكان‭ ‬العالم‭ ‬بعشرات‭ ‬الملايين‭ ‬ومازال‭ ‬في‭ ‬تنام‭ ‬مطرد،‭ ‬ولم‭ ‬يثبت‭ ‬أن‭ ‬اللقاح‭ ‬الذي‭ ‬صُنع‭ ‬في‭ ‬أمريكا‭ ‬آنذاك‭ ‬كان‭ ‬مؤامرة‭ ‬من‭ ‬الإدارة‭ ‬الأمريكية‭ ‬لإبادة‭ ‬ثلثي‭ ‬سكان‭ ‬العالم،‭ ‬ولذلك‭ ‬تبقى‭ ‬فوبيا‭ ‬مؤامرة‭ ‬اللقاحات‭ ‬تعشعش‭ ‬في‭ ‬عقول‭ ‬بعض‭ ‬الشعوب‭ ‬النامية‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تتمكن‭ ‬من‭ ‬اللحاق‭ ‬بركب‭ ‬الدول‭ ‬الصناعية‭ ‬المتقدمة‭.‬
ومع‭ ‬تفشي‭ ‬وباء‭ ‬كورونا‭ ‬مطلع‭ ‬عام‭ ‬2020م‭ ‬وتزامنًا‭ ‬من‭ ‬مساعي‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة‭ ‬لإنتاج‭ ‬لقاحات‭ ‬مضادة‭ ‬لهذا‭ ‬الفيروس‭ ‬تكرر‭ ‬نفس‭ ‬السيناريو‭ ‬وبرزت‭ ‬الأصوات‭ ‬التي‭ ‬تخوف‭ ‬الشعوب‭ ‬من‭ ‬اخذ‭ ‬اللقاحات‭ ‬وبنفس‭ ‬المخاوف‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تُكال‭ ‬أثناء‭ ‬وباء‭ ‬أنفلونزا‭ ‬الخنازير،‭ ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬الجائحة‭ ‬دخل‭ ‬على‭ ‬الخط‭ ‬قادة‭ ‬ورؤساء‭ ‬دول،‭ ‬حيث‭ ‬صرح‭ ‬رئيس‭ ‬البرازيل‭ ‬جايير‭ ‬بولسونارو‭ ‬محذرًا‭ ‬البرازيليين‭ ‬من‭ ‬التطعيم‭ ‬بلقاح‭ ‬‮«‬فايزر‮»‬‭ ‬ضد‭ ‬الفيروس‭ ‬التاجي‭ ‬حيث‭ ‬إن‭ ‬هذا‭ ‬اللقاح‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يحول‭ ‬الرجل‭ ‬إلى‭ ‬تمساح،‭ ‬أو‭ ‬ينبت‭ ‬لحية‭ ‬للسيدات،‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬تعبيره،‭ ‬أما‭ ‬رئيس‭ ‬تنزانيا‭ ‬الراحل‭ ‬جون‭ ‬ماغوفولي‭ ‬فقد‭ ‬أنكر‭ ‬حقيقة‭ ‬وجود‭ ‬فيروس‭ ‬كورونا‭ ‬في‭ ‬بلده‭ ‬وحذر‭ ‬من‭ ‬تلقي‭ ‬اللقاحات،‭ ‬ولكن‭ ‬لقد‭ ‬غيبه‭ ‬الموت‭ ‬متأثرًا‭ ‬بإصابته‭ ‬بالفيروس‭!‬
ومن‭ ‬التصريحات‭ ‬الغريبة‭ ‬التي‭ ‬أدلى‭ ‬بها‭ ‬طالب‭ ‬جوكو‭ ‬ويدودو‭ ‬رئيس‭ ‬إندونيسيا،‭ ‬أكبر‭ ‬دولة‭ ‬إسلامية‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬عدد‭ ‬السكان،‭ ‬انه‭ ‬حذر‭ ‬بلاده‭ ‬بألا‭ ‬تندفع‭ ‬في‭ ‬الموافقة‭ ‬على‭ ‬استخدام‭ ‬لقاحات‭ ‬فيروس‭ ‬كورونا،‭ ‬مشددًا‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬توعية‭ ‬المواطنين‭ ‬بكل‭ ‬تفاصيلها‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬حلالا‭ ‬أم‭ ‬حرامًا،‭ ‬وكأن‭ ‬باقي‭ ‬الأدوية‭ ‬التي‭ ‬يتطبب‭ ‬بها‭ ‬شعوب‭ ‬العالم‭ ‬بجميع‭ ‬أنواعها‭ ‬وأصنافها‭ ‬متوافقة‭ ‬مع‭ ‬الشريعة‭ ‬الإسلامية‭.‬
اليوم‭ ‬وبعد‭ ‬مرور‭ ‬عام‭ ‬ونصف‭ ‬على‭ ‬الجائحة‭ ‬وبرغم‭ ‬الكم‭ ‬الهائل‭ ‬من‭ ‬الإصابات‭ ‬بهذا‭ ‬الفيروس‭ ‬وأعداد‭ ‬الوفيات‭ ‬التي‭ ‬تتزايد‭ ‬يوما‭ ‬تلو‭ ‬الآخر،‭ ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬مساعي‭ ‬الدول‭ ‬لتوفير‭ ‬اللقاحات‭ ‬المناسبة‭ ‬لمواطنيها‭ ‬مازال‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يُشكك‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬اللقاحات‭ ‬مؤامرة‭ ‬للقضاء‭ ‬على‭ ‬النمو‭ ‬السكاني،‭ ‬وأنه‭ ‬يُراد‭ ‬بها‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬سكان‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬والإسلامية‭ ‬تحديدًا،‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬جميع‭ ‬أنواع‭ ‬الأدوية‭ ‬التي‭ ‬تنتجها‭ ‬شركات‭ ‬صناعية‭ ‬الأدوية‭ ‬لم‭ ‬يشككوا‭ ‬في‭ ‬أيّ‭ ‬منها‭ ‬عدا‭ ‬اللقاحات‭ ‬المضادة‭ ‬لكورونا،‭ ‬والسؤال‭: ‬لماذا‭ ‬هذه‭ ‬اللقاحات‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬يراد‭ ‬بها‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬زيادة‭ ‬السكان‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬غيرها‭ ‬من‭ ‬الأدوية؟‭ ‬الغريب‭ ‬في‭ ‬الأمر‭ ‬أن‭ ‬أكثر‭ ‬المتخوفين‭ ‬من‭ ‬اخذ‭ ‬اللقاح‭ ‬أو‭ ‬غالبيتهم‭ ‬من‭ ‬عامة‭ ‬الناس‭ ‬التي‭ ‬‮«‬تعيش‭ ‬على‭ ‬هامش‭ ‬الحياة‮»‬‭.‬
إيماننا‭ ‬كبير‭ ‬بكفاءات‭ ‬جميع‭ ‬العاملين‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬الصحي‭ ‬في‭ ‬مملكتنا‭ ‬الحبيبة‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬الصفوف‭ ‬الأمامية‭ ‬ضمن‭ ‬الفريق‭ ‬الوطني‭ ‬الطبي‭ ‬للتصدي‭ ‬لفيروس‭ ‬كورونا‭ (‬كوفيد‭-‬19‭) ‬أو‭ ‬في‭ ‬مركز‭ ‬سمو‭ ‬ولي‭ ‬العهد‭ ‬للبحوث‭ ‬الطبية‭ ‬والتدريب‭ ‬بالمستشفى‭ ‬العسكري‭ ‬وغيره،‭ ‬وحرص‭ ‬حكومة‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬على‭ ‬توفير‭ ‬اللقاحات‭ ‬الآمنة‭ ‬والتي‭ ‬أثبتت‭ ‬فاعليتها‭ ‬في‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬أعراض‭ ‬وتداعيات‭ ‬هذا‭ ‬الفيروس‭ ‬وتوفيرها‭ ‬للمواطنين‭ ‬والمقيمين‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تعزيز‭ ‬الحماية‭ ‬والمناعة‭ ‬لديهم‭ ‬ضد‭ ‬هذا‭ ‬الوباء،‭ ‬فلا‭ ‬نُسهم‭ ‬ببث‭ ‬المخاوف‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تُبنى‭ ‬على‭ ‬دراسات‭ ‬حقيقية،‭ ‬ولا‭ ‬نُسهم‭ ‬في‭ ‬نشر‭ ‬الإيحاءات‭ ‬السلبية‭ ‬في‭ ‬نفوس‭ ‬الآخرين،‭ ‬فأهل‭ ‬الاختصاص‭ ‬أعلم‭ ‬بهذا‭ ‬المجال‭ ‬وكما‭ ‬يُقال‭: ‬‮«‬اتركوا‭ ‬الخبز‭ ‬لخبّازه‮»‬‭ ‬بل‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نحمد‭ ‬الله‭ ‬أن‭ ‬هيأ‭ ‬لنا‭ ‬قيادة‭ ‬حكيمة‭ ‬حريصة‭ ‬على‭ ‬حمايتنا‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الأوبئة‭ ‬والحد‭ ‬من‭ ‬أضرارها‭ ‬وتبعاتها.

نقلاً عن : صحيفة الخليج

أخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى