مقالات الرأي

بقلم : عبد الهادي الخلاقي | الطريق إلى حماية السلام للشعوب

سُميت‭ ‬عشرينيات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬في‭ ‬‎فرنسا‭ ‬‮«‬بالسنوات‭ ‬المجنونة‮»‬‭. ‬وسميت‭ ‬بالمجنونة‭ ‬لأنها‭ ‬تميزت‭ ‬بميل‭ ‬الباريسيين‭ ‬إلى‭ ‬اللهو‭ ‬والاستمتاع‭ ‬بالحياة‭ ‬والمجون‭ ‬والسمر‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى‭ ‬المؤلمة،‭ ‬حيث‭ ‬تغيرت‭ ‬باريس‭ ‬كثيرا‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الفترة‭ ‬الزمنية،‭ ‬لأنها‭ ‬عاشت‭ ‬انفتاحا‭ ‬وازدهارا‭ ‬وتحولا‭ ‬كبيرا‭ ‬في‭ ‬العادات‭ ‬ونمط‭ ‬الحياة،‭ ‬وأكثر‭ ‬المجالات‭ ‬التي‭ ‬تأثرت‭ ‬بهذا‭ ‬التحول‭ ‬الكبير‭ ‬هي‭ ‬الثقافة‭ ‬والموضة‭ ‬والفن،‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬وخلال‭ ‬هذه‭ ‬السنوات‭ ‬المجنونة‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يعيشها‭ ‬الشعب‭ ‬الفرنسي‭ ‬في‭ ‬اللهو‭ ‬والرقص‭ ‬والمجون‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬عدو‭ ‬يعد‭ ‬العدة‭ ‬ويبني‭ ‬مصانع‭ ‬الأسلحة‭ ‬ويهيئ‭ ‬الشباب‭ ‬لخوض‭ ‬الحرب‭ ‬من‭ ‬جديد،‭ ‬فالثأر‭ ‬كان‭ ‬يستعر‭ ‬في‭ ‬صدورهم‭ ‬كما‭ ‬تستعر‭ ‬حمم‭ ‬البراكين،‭ ‬قس‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬كثيرا‭ ‬ممن‭ ‬يعدون‭ ‬العدة‭ ‬ويسخرون‭ ‬كل‭ ‬مقومات‭ ‬دولهم‭ ‬للحرب‭ ‬إما‭ ‬للثأر‭ ‬أو‭ ‬لإعادة‭ ‬استعمار‭ ‬شعوب‭ ‬أخرى،‭ ‬وقس‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬عديدا‭ ‬من‭ ‬الشعوب‭ ‬ممن‭ ‬يبحثون‭ ‬عن‭ ‬الجنون‭ ‬واللهو‭ ‬والمجون،‭ ‬متناسين‭ ‬ما‭ ‬يُخفيه‭ ‬الآخرون‭ ‬لهم‭.‬

في‭ ‬العاشر‭ ‬من‭ ‬مايو‭ ‬1940م‭ ‬بدأت‭ ‬معركة‭ ‬الألمان‭ ‬لاحتلال‭ ‬فرنسا‭ ‬التي‭ ‬انهار‭ ‬خلالها‭ ‬جيش‭ ‬الجمهورية‭ ‬الفرنسية‭ ‬الثالثة‭ ‬بشكل‭ ‬كامل؛ حيث‭ ‬تمكن‭ ‬الجيش‭ ‬الألماني‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬الشهر‭ ‬ونصف‭ ‬الشهر‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬احتلال‭ ‬فرنسا‭ ‬كاملة‭! ‬والسؤال‭ ‬الأهم‭ ‬كيف‭ ‬تمكن‭ ‬هتلر‭ ‬من‭ ‬احتلال‭ ‬فرنسا‭ ‬بـ«لقمة‭ ‬واحدة‮»‬‭ ‬وهو‭ ‬البلد‭ ‬الذي‭ ‬كانت‭ ‬ألمانيا‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬التقدم‭ ‬فيه‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مسافة‭ ‬أمتار‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬الاستنزاف‭ ‬إبان‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى؟‭!‬

لهتلر‭ ‬تصريح‭ ‬شهير‭ ‬حول‭ ‬إنجاز‭ ‬احتلال‭ ‬فرنسا‭ ‬مفاده‭ ‬أنه‭ ‬عندما‭ ‬كانت‭ ‬فرنسا‭ ‬تلهو‭ ‬وترقص‭ ‬وتصنع‭ ‬العطورات‭ ‬في‭ ‬باريس‭ ‬كنا‭ ‬نحن‭ ‬نُدرب‭ ‬الشباب‭ ‬ونصنع‭ ‬القنابل‭ ‬في‭ ‬برلين‭! ‬خلال‭ ‬جائحة‭ ‬كورونا‭ ‬وتحديدا‭ ‬في‭ ‬أكتوبر‭ ‬2020م‭ ‬وجه‭ ‬الرئيس‭ ‬الصيني‭ ‬قوات‭ ‬بلاده‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬على‭ ‬أهبة‭ ‬الاستعداد‭ ‬للحرب،‭ ‬انطلاقاً‭ ‬من‭ ‬مبدأ‭: ‬إذا‭ ‬أردت‭ ‬السلام‭ ‬فكن‭ ‬على‭ ‬استعداد‭ ‬للحرب،‭ ‬علماً‭ ‬بأن‭ ‬الصين‭ ‬تمتلك‭ ‬ثالث‭ ‬أقوى‭ ‬جيش‭ ‬بالعالم‭ ‬وبالمنطق‭ ‬من‭ ‬ذا‭ ‬الذي‭ ‬يُهدد‭ ‬أكبر‭ ‬دولة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬السكان‭ ‬وأكثر‭ ‬الاقتصادات‭ ‬نموا‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬الصين‭ ‬تتحوط‭ ‬وتجعل‭ ‬جيشها‭ ‬على‭ ‬أهبة‭ ‬الاستعداد‭ ‬وهي‭ ‬بهذه‭ ‬القوة‭ ‬فما‭ ‬بالنا‭ ‬نحن‭ ‬العرب؟‭! ‬القاعدة‭ ‬الذهبية‭ ‬تقول‭: ‬إنه‭ ‬لا‭ ‬يأتي‭ ‬سلام‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬حرب‭ ‬فالاستعداد‭ ‬للحرب‭ ‬يمنع‭ ‬الحرب‭ ‬ويحقق‭ ‬السلام،‭ ‬وهذه‭ ‬أمور‭ ‬لا‭ ‬نتمناها‭ ‬ولكن‭ ‬من‭ ‬يتجاهلها‭ ‬فهو‭ ‬جاهل‭ ‬أو‭ ‬ساذج‭.‬

البعض‭ ‬قد‭ ‬يُفسر‭ ‬هذه‭ ‬الاستدلالات‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬ذكرها‭ ‬بأنه‭ ‬يجب‭ ‬على‭ ‬الدول‭ ‬والحكومات‭ ‬العربية‭ ‬تحديدا‭ ‬أن‭ ‬تُخصص‭ ‬جُل‭ ‬ميزانياتها‭ ‬واهتمامها‭ ‬للتسلح‭ ‬العسكري‭ ‬فقط‭ ‬وإهمال‭ ‬تنمية‭ ‬القطاعات‭ ‬الأخرى‭ ‬كالاقتصاد‭ ‬والصحة‭ ‬والتعليم‭ ‬والبنى‭ ‬التحتية‭ ‬والثقافة‭ ‬والأدب‭ ‬والابتكار‭ ‬والرياضة‭ ‬وأهمها‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالمورد‭ ‬البشري‭ ‬الذي‭ ‬يعتبر‭ ‬اساس‭ ‬التنمية‭ ‬والبناء‭ ‬وهذه‭ ‬مسلمات‭ ‬ومتطلبات‭ ‬لبناء‭ ‬أي‭ ‬مجتمع،‭ ‬بينما‭ ‬نتحدث‭ ‬هنا‭ ‬عن‭ ‬الأمن‭ ‬والسيادة‭ ‬التي‭ ‬لن‭ ‬تتحقق‭ ‬إلا‭ ‬بوجود‭ ‬مقومات‭ ‬القوة‭ ‬سواء‭ ‬قوة‭ ‬عسكرية‭ ‬أو‭ ‬قوة‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬السياسية‭ ‬أو‭ ‬قوة‭ ‬اقتصادية‭ ‬أو‭ ‬علمية‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬الانزلاق‭ ‬في‭ ‬الترف‭ ‬واللهو‭ ‬والانحلال‭ ‬الأخلاقي‭ ‬والقيمي،‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬أصبحت‭ ‬بعض‭ ‬القوى‭ ‬العظمى‭ ‬تدفع‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬تملك‭ ‬لهدم‭ ‬قيم‭ ‬الشباب‭ ‬والمجتمعات‭ ‬بما‭ ‬يُسمى‭ ‬‮«‬المثلية‭ ‬الجنسية‮»‬‭ ‬والحرية‭ ‬الشخصية‭. ‬

الاستعداد‭ ‬للحرب‭ ‬ليس‭ ‬معناه‭ ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬أو‭ ‬افتعالها‭ ‬ولكن‭ ‬إذا‭ ‬فُرضت‭ ‬قسرا‭ ‬وعدوانا‭ ‬كما‭ ‬قال‭ ‬الراحل‭ ‬أمير‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬السعودية‭ ‬سعود‭ ‬الفيصل‭ ‬طيب‭ ‬الله‭ ‬ثراه‭ ‬‮«‬إننا لسنا‭ ‬دعاة‭ ‬حرب،‭ ‬ولكن‭ ‬إذا‭ ‬قرعت‭ ‬طبولها فنحن جاهزون‭ ‬لها‮»‬،‭ ‬فالملهيات‭ ‬احد‭ ‬أهم‭ ‬عوامل‭ ‬هدم‭ ‬اركان‭ ‬المجتمع‭ ‬وخاصة‭ ‬الشباب‭ ‬وسبب‭ ‬رئيسي‭ ‬للهزيمة‭ ‬أمام‭ ‬العدو‭ ‬وقد‭ ‬ذكرنا‭ ‬أعلاه‭ ‬كيف‭ ‬انهزمت‭ ‬باريس‭ ‬في‭ ‬أسابيع‭ ‬قليلة‭ ‬ولم‭ ‬تصمد‭ ‬أمام‭ ‬القوات‭ ‬الألمانية‭ ‬التي‭ ‬أعدت‭ ‬العدة‭ ‬لذلك،‭ ‬الحياة‭ ‬ليست‭ ‬حروبا‭ ‬فقط‭ ‬هذا‭ ‬أمر‭ ‬مُسلم‭ ‬به‭ ‬وتؤمن‭ ‬به‭ ‬كُل‭ ‬شعوب‭ ‬العالم‭ ‬بل‭ ‬إنها‭ ‬تمقت‭ ‬الحروب‭ ‬والدمار،‭ ‬لكن‭ ‬القوة‭ ‬تجلب‭ ‬السلام‭ ‬وتضمن‭ ‬الحماية‭ ‬لأي‭ ‬كيان‭ ‬بشري‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬وقتنا‭ ‬الراهن،‭ ‬فالسلام‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬الاستعداد‭ ‬للحرب‭ ‬قد‭ ‬يترتب‭ ‬عليه‭ ‬استسلام‭ ‬للإملاءات‭ ‬الخارجية‭ ‬والرضوخ‭ ‬لمطالبها‭ ‬وأجنداتها‭.‬

الزائر‭ ‬لإسبانيا‭ ‬يبكي‭ ‬على‭ ‬أطلال‭ ‬الحضارة‭ ‬الإسلامية‭ ‬العظيمة‭ ‬التي‭ ‬أضاعها‭ ‬المسلمون‭ ‬هناك،‭ ‬وبالرجوع‭ ‬إلى‭ ‬كتب‭ ‬التاريخ‭ ‬من‭ ‬جملة‭ ‬اسباب‭ ‬ضياع‭ ‬الاندلس‭ ‬يأتي‭ ‬الفساد‭ ‬الذي‭ ‬استشرى‭ ‬في‭ ‬أروقة‭ ‬الحكم‭ ‬والانشغال‭ ‬بالملهيات‭ ‬كالفن‭ ‬والغناء‭ ‬واللهو‭ ‬والترف‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الأمن‭ ‬والسيادة‭ ‬وإهمال‭ ‬التحوط‭ ‬من‭ ‬مؤامرات‭ ‬حكام‭ ‬وأباطرة‭ ‬أوروبا‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬يعدون‭ ‬العدة‭ ‬ويحيكون‭ ‬المؤامرات‭ ‬والدسائس‭ ‬ويغررون‭ ‬بشباب‭ ‬الاندلس‭ ‬وقادتها‭ ‬بالملهيات‭ ‬التي‭ ‬أضعفت‭ ‬كيان‭ ‬الدولة‭ ‬فدب‭ ‬الشقاق‭ ‬بين‭ ‬الأمراء‭ ‬المسلمين‭ ‬وحكام‭ ‬الولايات‭ ‬فتفككت‭ ‬أركان‭ ‬الدولة‭ ‬وكان‭ ‬السقوط‭ ‬نتيجة‭ ‬حتمية‭ ‬حتى‭ ‬أضحت‭ ‬الأندلس‭ ‬مجرد‭ ‬ذكرى‭ ‬دولة‭ ‬إسلامية‭ ‬في‭ ‬قارة‭ ‬أوروبا‭.

أخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى